عرض مشاركة واحدة
قديم 25-07-2020, 02:44 PM رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
عبدالرشيد غربال
عضو أكاديمية الفينيق
يحمل ألقاب فينيق الاعوام 2013/2020
عضو لجنة تحكيم مسابقات الأكاديمية
عضو تجمع أدب الرسالة
يحمل أوسمة الأكاديمية للابداع والعطاء
المغرب
افتراضي رد: كَعْبَــــةُ الحُسْن / زياد السعودي

نظرات في ( كعبة الحسن )

الملمح الأول

لكل شاعر خط يميز تجربته الإبداعية ويلصق لونه في ذاكرة الأمة ..

يقترن استحضار اسم محمود درويش مثلا بقضية فلسطين وشعر المقاومة
يقترن اسم أحمد مطر بلافتات الفضح واستفزاز التمرد والعصيان
فأين موقع زياد السعودي من هذا الملمح ؟
على امتداد ما ينيف عن عقدين من المخاض ، رأيت في الزياد ( أنا ) مفجوعة متغربة مفرَدة ( بلغة طرفة في : وأفردت إفراد البعير المعبد )
حينا من وجع المحيط القريب : الصحب والرفاق والأصدقاء والزملاء )
وحينا ثانيا من كمد مأساة أمته المعوزة اسبدادا واحتلال أرض واضطهادا سياسيا ولا عدالة اجتماعيا
وكان لسان الحال في الآهين
ثم يطالعنا اليوم ، في فلتة زئبقية بالارتماء في الوجود الأعمق خصوصية والأغور ذاتيا
أنكون مع سياب جديد ؟
لا أنكر - حين عانقت مطلع ( كعبة الحسن ) أنني أمام ذهبية من عصور السلف المجيد
توطئة غزلية ثم انتقال إلى الهم الآني المرير
وكانت المفاجأة ...وحدة عضوية موضوعية بمعجم دلالي متناغم مع الغرض في برد موسيقي رقراق نمقه البسيط بروي فاعل منفعل
قد تصفح عنك القدس ولربما تتفهم الأغوار فلا تعاتبك .وإني سأجهد متشفعا ..

الملمح الثاني :
قراءة في العنوان ...
الحديث عن بدعة العنوان ذو شجون
فقد تأملت في عناوين قصائد هذا الزمان ودواوينه ،فوجدتها فضفاضة خارج قياس ما يحمل النص الأدبي
حتى إن ما يزيد عن ثمانين في المائة مما ينشر - وسأدقق أكثر : في الفنيق - تكاد تكون شركا ماكرا لاستجلاب القارئ تماما كما يصنع الإشهار في حضارة العولمة
كعبة الحسن : تركيب اسمي من مبتدإ مضاف الى الحسن ..خبره محذوف تقديره ( كائنة أو موجودة )
دلاليا ، الكعبة المحج والمزار ذو شكل مربع يطاف حوله ..( يصعب تناول دلالة هذه اللفظة بعيدا عن إيحائها الديني في الإسلام
بيد أن إضافتها إلى الحسن ساعد القارئ على تفادي اللبس وبالتالي منع كل تأويل يربط بالمقدس
بقراءة الصدر الأول من المطلع ، ينكشف الغطاء كليا : امرأة حسناء تغري كما لو أنها :
كعبة تطوف بها الأعين إعجابا وفتونا
بلاغيا : استعارة تصريحية حذف المشبه ( حسناء ) وصرح بلفظ المشبه به ( كعبة ) مع قرينة مانعة لإرادة المعنى الحقيقي للكعبة المكية ( الحسن ) ...امرأة ككعبة الحسن
فما مدى حسن هذه المرأة ؟ وهل هي أهل ليطوف حولها المعجبون؟
الملمح الثالث :
المضمون العام

افتنان الشاعر بامرة استثنائية الملامح ساحرة الحسن ، مع تفصيل ما أحدثه حبها من تحول جذري في صيرورة كيانه ثم تودده رضاها وتوسل وصالها
( حاشية ) :ايفعل الحب بالرجل - شاعرا رزينا مناضلا حامل رسالة - مثل ما فعل بهذا العاشق الصب ؟
الآن ألمس محنة العذريين ..

الملمح الرابع
تنفتح لوحة هذا الافتنان بثمانية أبيات تمثل وحدة مستقلة بموضوعتها ومعجمها .
وتتوزع على مستوى البنية التركيبية إلى ثلاث مفاصل رئيسة:
1 .من ب1 إلى ب3
توسل الشاعر - استقرائيا - في رسم مفاتنهذه الحسناء بحرف الجر ( من ) الدال على التبعيض ( جزء من كل )
2. من ب4 إلى ب6
توسل الشاعر في توصيف مفاتن هذه الحسناء بحرف جر مغاير ( في ) الدال على الظرفية المكانية = المحل
3.ب 7 إلى ب8
تقرير عام اتكاء على خبرين ابتدائيين ملقيين إلى المتلقي خالي الذهن من المعلومة ربط بينهما وصل بواو العطف ( معطيرة / ابلج ...)

بعدها تحدث نقلة في الموضوعة والمعجم معا
وعلى امتداد أربعة أبيات ،يبدأ تشريح الحالة الوجودية للعاشق الولهان بفعل ما أحدثه هذا الفتون
هنا تناوب الفعلان الناقصان ( كان / صار )
كان : حالة الشاعر قبل الافتنان
صار : التحول الذي أحدثه الافتنان
وما بين الكينونة والصيرورة خاب أفق انتظار
توقعت أن الحادث سيرتق مان من ألم ووجع وتغرب ومكابدة
بيد أن مفعول هذا الافتنان أربى المواجع ..
هنا أستحضر ذاتا كابدت بفعل الهوى والغرام شبيه ما كوى قلب شاعرنا : خليل مطران في رائعته : المساء
داء ألم فخلت فيه شفائي
من صتوتي . فتضاعفت برحائي
ثم تحضر محتحتة عقول النحاة ( حتى ) دلالة على انتهاء الغاية ( إلى أن )

إلى أن ..كان انتقاء حتى هنا مكرا حاذقا
فقد جمع حالات الكينونة والصيرورة كليهما في دافع جميل
وقوع العين على هاته الحسناء الفاتنة غير المجرى فأضاء الوجود وأحيى الأمل
إذاً لم يبتق غير الاستجداء والتوسل والتودد
ولكي يخدعنا كونه ذا أنفة وكبرياء لا تدله مثل هاته بمفاتنها وسحر جمالها ،
لجأ الى اللغة تستعير جبروت الأمر وتعاليه
فنسمعه يخاطبها آمرا (فلتزفري / جودي )
إلا أن ( الهو ) غلبه فإذا به يدس بين الأمرين نهيين فضحا حقيقة تودده واستعطافه عاشقا متيما صبا ( لا تعذليني / لا تلقميني )
الملمح الخامس
معجم القصيدة
راوح معجم القصيدة بين ثلاثة حقول ارتبط أولها بمفاتن الحسناء وثانيها بحالة العاشق كينونة وصيرورة والثالث بالتوسل والاستعطاف واستجداء القرب والوصال
ربطت بين ألفاظ الحقل الأول علاقة انسجام وتشابه
فقد تضافرت لتقدم صورة جيوكندية لامراة استثنائية الحسن دونخوانية الإغراء لا يملك أمامها عاشق حين وبالأحرى شاعر إلا الافتنان
وربطت بين ألفاظ الحقل الثاني علاقة تقرير حالة الشاعر- العاشق بين كينونة ما قبل الافتنان وصيرورته
فتشاركت على المفارقة الأفلاطونية بينها في رسم احتياج الشاعر الى دفء وافتقاره إلى بلسم وترياق
وربطت بين ألفاظ الحقل الثالث علاقة تودد والتماس وطلب قرب ووصال

وإجمالا نلحظ تكامل الحقول الدلالية في تبيان شاعر يعاني غربة ومواجع ساقه القدر لامرأة فاتنة الحسن توسم فيها دواءه وأمل انبعاث رغبته في الحياة
لقد رسم المعجم لوحة امرأة جيوكندية مطلية بإغراء دونخواني .وفي المقابل بدا الذات العاشقة بوجهين :
أولهما مأساوي يراكم الألم كائنا وصائرا حتى طلع وجه هذه الحسناء صبوحا مضيئا ، فارتدى أسمال عصبة العذريين متوسلا وصالا ومتوددا قربا ..
وهذه علامة فارقة في تقييم حط زياد إنسانا وشاعرا : موسوعي ،ييعيش حضارة العولمة بخبرة .لكنه لم يتخل يوما عن أصالته وهويته الثقافية
الملمح السادس

البنية الإيقاعية
زياد السعودي شاعر متمسك بعلوم الضاد وصناعاتها
ركب بحرالبسيط بوعورة عبوره فبلغ آمنا شط النجاة
عروض تامة صحيحة وضرب تام صحيح مثلها موجب الخبن
روي واحد موحد ( القاف ) ممدودة إلى الأعلى بحكم فتحة النصب انسجاما مع رغبته التوسل والترجي
احترام لظاهرة التصريع مشيا على عادة الفحول في العصر الذهبي
لم نقف على أي ضرورة مشوشة مما يدل على امتلاكه ناصية الخلق الشعري
ثم إن التوزيع المعماري لمفاصل الدفقات الشعرية كان حاذقا جدا .وهنا لا بد من الإشادة بالتخصص الذي خدمه هنا خدمة كبرى فكانت قراءة القصيدة اعتمادا على هذا المساعد خارج - نصي رقراقة
بيد أن الوظيفة الجمالية للمفعول الموسيقي لم تنحصر في العروض والتوزيع المعماري فحسب ، إنما انضاف عامل آخر أثرى موسيقى القصيدة وزان خريرها
يتعلق الأمر هنا بالموسيقى الداخلية والتي نلمح خاصياتها في ما يلي :
1 التكرار سواء الأصوات ( القاف /اقلق القلق ) أو الحروف ( منها فيها ) أو الألفاظ ( القد / القد // تقدى ) والصيغ الصرفية ( الطريد // الذبيح // الجريح //القريح )
كل هذا ، تعالق لتحقيق الوظيفة الجمالية للقصيدة فكان التأثير وكان الانفعال
الملمح الأخير
مؤاخذات
التكرار عادة ملحة بلاغية موسيقية في بناء القصيدة
لكن اطراد ( من ) في مطلع الابيات الثلاثة الأولى واطراد ( في ) في الثلاث أبيات الموالية أثار تساؤلا :
أما كان من بديل في تاثيث البيت الثاني والثالث من دون ( من ) والخامس والسادس من دون ( في )؟
أكان الخلق الشعري متعثرا يستنير درب الانطلاق فلم يتسن إلا في التاسع ؟
( مولع / ولع ) أكان الترادف اللفظي لازما هنا ؟
( دوزن ) تبدو قياسا إلى لغة النص العالية محشوة نشازا ..صراحة لم تستسغها أذني
شكرا للقائد زياد على هذه الهدية العذبة






  رد مع اقتباس
/